أحمد بن علي القلقشندي
244
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كلفظة الأرض ، فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مفردة ، سواء أفردت بالذكر عن السماء كما في قوله تعالى : * ( والله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً ) * ( 1 ) أو قرنت بالسماء مفردة كما في قوله تعالى : * ( ويُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِه ) * ( 2 ) أو مجموعة كما في قوله تعالى : * ( الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ) * ( 3 ) ولو كان استعمالها بلفظ الجمع مستحسنا لكان هذا الموضع وشبهه به أليق لمقابلة الجمع في السماوات ، ولما أراد أن يأتي بها مجموعة قال : * ( الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) * ( 4 ) وكذلك لفظة البقعة ، وكذلك لفظة طيف في ذكر طيف الخيال ، فإنها تجمع على طيوف ، وهي في حالة الإفراد من أرقّ الألفاظ وألطفها ، فإذا جمعت زالت عنها تلك الطَّلاوة ، وفارقتها تلك البهجة ، ولذلك وردت في القرآن الكريم بلفظ الإفراد ، قال تعالى : إنّ الَّذين اتّقوا إذا مسّهم طيف ( 5 ) من الشّيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون ( 6 ) . ولم تزل الشعراء في القديم والحديث يستعملونه بلفظ الإفراد فيقع أحسن موقع ، ولم يلمّوا باستعماله مجموعا . قال في « المثل السائر » : وياللَّه العجب ، من هذه اللفظة ومن أختها عدّة ووزنا ، وهي صيف ! فإنها تستعمل مفردة ومجموعة ، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق ، قال : وهذا مما لا يعلم السرّ فيه ، والذوق السليم هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما . وكذلك يجري الحكم في جميع المصادر ، فإنها في حالة الإفراد أحسن منها في حالة الجمع ؛ وقد جاء منها بعض ألفاظ مجموعة فجاءت غثّة مستكرهة كما في قول عنترة :
--> ( 1 ) نوح / 17 . ( 2 ) الحج / 65 . ( 3 ) الأنعام / 1 . ( 4 ) الطلاق / 12 . ( 5 ) هذه إحدى القراءتين ، والقراءة الثانية : طائف . ( 6 ) الأعراف / 201 .